أقف عند المصعد منذ وقت ليس بالقصير.. المشفى مكتظ بالزوار وأنا على عجلة من أمري.. حملت حقيبتي وذلك الكيس الثقيل وصعدت على الدرج..
طرقت الباب..
: مرحبا..
لا يزال نائما.. عضضت على خده بقوة فاستيقظ فزعا.. لكنه ابتسم
: ألا تكفين يا شهد ؟
: كيف حالك؟
: بخير تقريبا.. ماذا أحضرت لي؟
: طبقك المفضل..
وأخرجت من الكيس كل ما لذ وطاب من الطعام.. بدأ يأكل بنهم شديد فهو لم يذق شيئا منذ يوم أمس لأن طعام المشفى "مقرف".. !
أنظر إليه جيدا جيدا.. وأتأمل تقاسيم وجهه.. هي ذاتها تقاسيم وجهي لكن الفرق في العينين.. لهما ذلك البريق الذي أحبه..
التفت إليَّ ..
: لم لا تأكلين؟!
: تناولت شطيرة قبل قليل
: لا تزال عضتك تؤلمني.. أيتها الشرسة
ابتسمت وذهبت لأحضر له العصير..
دخلت الممرضة فتبرم وجهه.. فعلمت أن موعد الجلسة اقترب..
ربتُّ على كتفه فاستلقى وأدار إليَّ ظهره.. فقد شهيته مع دخولها وكأنه لم يكن جائعا قبل قليل..
نظرت إليها.. وهمست..
: قاتلك الله ..!
فابتسم وأخبرني أنها لا تفهم العربية ..! وعاد ليدير ظهره..
**
صرت أستعمل ذلك الدرج الطويل في كل مرة أجد فيها المصعد مكتظا.. واعتدت حمل ذلك الكيس الثقيل إليه فهو لم يغادر المشفى منذ أسابيع..
دخلت الغرفة.. فوجدته يضع رأسه بين قدميه..
: مرحبا..
رفع رأسه فلم أتعرف إلى ذلك الوجه الشاحب..
أفلتت يدي الكيس واقتربت منه..
: ما بك علي؟
: لم تأتي يوم أمس.. لم؟
: أنا آسفة علي .. كنت .......
قاطعني بحدة ..
: لِم لم تأتي؟ كنت مشغولة عني؟؟
وشهق بقوة وانسابت دموعه بغزارة.. انتابني شعور غريب تجاهه ..
هدأت قليلا وخلت أنه هدأ فعدت أسأله بعد دقائق صامتة
: علي.. ما بك حبيبي؟
لم يجبني.. فآثرت الصمت أنا الأخرى ريثما يهدأ قليلا..
دقيقة مرت.. دقيقتان.. ثلاث.. ثم ضمني إلى صدره وبكى بحرارة فعلمت أن خطبا ما حصل..
: شهد.. بعد أيام قليلة .......
وصمت.. ثم عاد ليتحدث مغالبا دموعه...
: شهد يا روحي.. ربما لا أراكِ بعد .............
وصمت مجددا.. نظرت إلى عينيه فلم أجد ذلك البريق.. فازداد قلبي خفقانا..
أسندت رأسه إلى كتفي.. وسألته
: علي.. بم تشعر؟!
: أشعر بأنني.. أحتاج عضتك على خدي.. كل يوم.. لا تتركيني وحدي أرجوكِ..
واستلقى وأدار ظهره..
خرجت من الغرفة إلى الطبيب.. طرقت الباب..
: السلام عليكم
: وعليكم السلام.. كنت بانتظار مجيئك لأخطرك بشيء مهم..
: تفضل
: ابقي قربه في الفترة القادمة ساءت حالته مؤخرا..
: ألن يعود إلى البيت؟!
: ليس بعد يا بنتي.. ربما هو بحاجة إلى رعاية نفسية وطبية.. قد تسوء حالته لذا ابقي معه دائما.. أهم ما في العلاج يا بنتي هو الجانب النفسي.. وعلي بحاجة لدعمك.. فهمتِ؟
: فهمت.. إلى اللقاء..
أخرجت هاتفي واتصلت بصديقتي..
: مرحبا منى..
: مرحبا شهد كيف حالك وكيف حال علي؟
: منى.. أخبري الإدارة أنني لن آتي بقية هذا الأسبوع
: ما الذي حصل؟
: ساءت حالته منى..
: ثقي بالله يا شهد.. سيكون على ما يرام.. نسيت أن أذكرك أن آخر موعد لتسليم البحوث يوم الأربعاء
: أوووووف لن أسلم شيئا
: شهد.. كفي عن الإهمال إنها آخر سنوات الثانوية
: سأتدبر أمري إذًا.. المهم ألا تنسي إشعار الإدارة بغيابي..
: حسنا..
: إلى اللقاء.. دعواتك.. أرجوووك
عدت إلى الغرفة فوجدته مستلقيا على حالته.. ألقيت التحية فتنبه..
: أين كنتِ؟
: أجريت اتصالا.. ألم تأكل؟
: انتظرتك لتأكلي معي..
طرقت الباب..
: مرحبا..
لا يزال نائما.. عضضت على خده بقوة فاستيقظ فزعا.. لكنه ابتسم
: ألا تكفين يا شهد ؟
: كيف حالك؟
: بخير تقريبا.. ماذا أحضرت لي؟
: طبقك المفضل..
وأخرجت من الكيس كل ما لذ وطاب من الطعام.. بدأ يأكل بنهم شديد فهو لم يذق شيئا منذ يوم أمس لأن طعام المشفى "مقرف".. !
أنظر إليه جيدا جيدا.. وأتأمل تقاسيم وجهه.. هي ذاتها تقاسيم وجهي لكن الفرق في العينين.. لهما ذلك البريق الذي أحبه..
التفت إليَّ ..
: لم لا تأكلين؟!
: تناولت شطيرة قبل قليل
: لا تزال عضتك تؤلمني.. أيتها الشرسة
ابتسمت وذهبت لأحضر له العصير..
دخلت الممرضة فتبرم وجهه.. فعلمت أن موعد الجلسة اقترب..
ربتُّ على كتفه فاستلقى وأدار إليَّ ظهره.. فقد شهيته مع دخولها وكأنه لم يكن جائعا قبل قليل..
نظرت إليها.. وهمست..
: قاتلك الله ..!
فابتسم وأخبرني أنها لا تفهم العربية ..! وعاد ليدير ظهره..
**
صرت أستعمل ذلك الدرج الطويل في كل مرة أجد فيها المصعد مكتظا.. واعتدت حمل ذلك الكيس الثقيل إليه فهو لم يغادر المشفى منذ أسابيع..
دخلت الغرفة.. فوجدته يضع رأسه بين قدميه..
: مرحبا..
رفع رأسه فلم أتعرف إلى ذلك الوجه الشاحب..
أفلتت يدي الكيس واقتربت منه..
: ما بك علي؟
: لم تأتي يوم أمس.. لم؟
: أنا آسفة علي .. كنت .......
قاطعني بحدة ..
: لِم لم تأتي؟ كنت مشغولة عني؟؟
وشهق بقوة وانسابت دموعه بغزارة.. انتابني شعور غريب تجاهه ..
هدأت قليلا وخلت أنه هدأ فعدت أسأله بعد دقائق صامتة
: علي.. ما بك حبيبي؟
لم يجبني.. فآثرت الصمت أنا الأخرى ريثما يهدأ قليلا..
دقيقة مرت.. دقيقتان.. ثلاث.. ثم ضمني إلى صدره وبكى بحرارة فعلمت أن خطبا ما حصل..
: شهد.. بعد أيام قليلة .......
وصمت.. ثم عاد ليتحدث مغالبا دموعه...
: شهد يا روحي.. ربما لا أراكِ بعد .............
وصمت مجددا.. نظرت إلى عينيه فلم أجد ذلك البريق.. فازداد قلبي خفقانا..
أسندت رأسه إلى كتفي.. وسألته
: علي.. بم تشعر؟!
: أشعر بأنني.. أحتاج عضتك على خدي.. كل يوم.. لا تتركيني وحدي أرجوكِ..
واستلقى وأدار ظهره..
خرجت من الغرفة إلى الطبيب.. طرقت الباب..
: السلام عليكم
: وعليكم السلام.. كنت بانتظار مجيئك لأخطرك بشيء مهم..
: تفضل
: ابقي قربه في الفترة القادمة ساءت حالته مؤخرا..
: ألن يعود إلى البيت؟!
: ليس بعد يا بنتي.. ربما هو بحاجة إلى رعاية نفسية وطبية.. قد تسوء حالته لذا ابقي معه دائما.. أهم ما في العلاج يا بنتي هو الجانب النفسي.. وعلي بحاجة لدعمك.. فهمتِ؟
: فهمت.. إلى اللقاء..
أخرجت هاتفي واتصلت بصديقتي..
: مرحبا منى..
: مرحبا شهد كيف حالك وكيف حال علي؟
: منى.. أخبري الإدارة أنني لن آتي بقية هذا الأسبوع
: ما الذي حصل؟
: ساءت حالته منى..
: ثقي بالله يا شهد.. سيكون على ما يرام.. نسيت أن أذكرك أن آخر موعد لتسليم البحوث يوم الأربعاء
: أوووووف لن أسلم شيئا
: شهد.. كفي عن الإهمال إنها آخر سنوات الثانوية
: سأتدبر أمري إذًا.. المهم ألا تنسي إشعار الإدارة بغيابي..
: حسنا..
: إلى اللقاء.. دعواتك.. أرجوووك
عدت إلى الغرفة فوجدته مستلقيا على حالته.. ألقيت التحية فتنبه..
: أين كنتِ؟
: أجريت اتصالا.. ألم تأكل؟
: انتظرتك لتأكلي معي..
سحبت الكيس وأخرجت الطعام ووضعته على الطاولة..وبدأنا نأكل صامتين..
هممت بالحديث فسبقني..
: كم بقي على اختبارات الثانوية العامة؟
: أسبوعان يا علي
: أحضري لي كتبي وأغراضي وحقيبتي السوداء
أطرقت رأسي
: حسنا.. سأحضرها
ونهضت إلى الحمام.. قبل أن يلحظ أني ما عدت أخته التي بإمكانه الاستناد عليها..
طرق الباب.. دخل الطبيب..
: مرحبا علي.. أكمل طعامك ووافيني في الحجرة لنبدأ الجلسة
: حسنا دكتور
حدثتني نفسي بأن عليَّ مرافقته لأول مرة إلى جلسة العلاج "بالكيماوي" اللعين الذي سرق مني بريق عينيه.. !
فقررت الذهاب رغم أني لم أتوقع أن بإمكاني احتمال رؤيته هناك..
***
طرقت الباب..
: مرحبا علي..
لا يزال نائما.. عضضت خده بانتظار بسمته..
حاول النهوض.. لاحظت ثقل حركته.. صرخت
: ما بك علي؟
أشار إلى جهاز الأكسجين فركبته سريعا.. وركضت بأقصى سرعتي نحو غرفة الطبيب..
: دكتور.. تعال بسرعة
وعدت برفقة الطبيب إلى الغرفة مسرعين..
: علي.. هل أنت على ما يرام؟
لم يتحدث..
ركبَّ الطبيب ومساعدوه الكثير من الأجهزة على جسد توأمي النحيل.. لكنه أغمض عينيه ببطء.. فصرخت باكية..
: لا أرجوك.. علي انهض أرجوك أحضرت حقيبتك السوداء وكتبك.. علي ألن تكمل الثانوية؟!
جذبت قميصه وحركته بعنف..
: علي أرجوك.. قم يا أخي
وعضضت خده بقوة.. وعدت أرجوه أن يستيقظ
: استيقظ يا علي.. أهي إحدى دعاباتك؟! .. استيقظ فليس بإمكاني البقاء وحدي.. استيقظ حبيبي.. قل شيئا كيلا أنسى صوتك
وسحبني الممرضون إلى الخارج وغطوا وجهه
***
أفقت من إغماءتي تلك فوجدتهم يحومون حولي.. سألتهم
: أين علي ؟
: ادعي له بالرحمة .. آسف يا بنتي.. تمكن منه المرض
هممت بالحديث فسبقني..
: كم بقي على اختبارات الثانوية العامة؟
: أسبوعان يا علي
: أحضري لي كتبي وأغراضي وحقيبتي السوداء
أطرقت رأسي
: حسنا.. سأحضرها
ونهضت إلى الحمام.. قبل أن يلحظ أني ما عدت أخته التي بإمكانه الاستناد عليها..
طرق الباب.. دخل الطبيب..
: مرحبا علي.. أكمل طعامك ووافيني في الحجرة لنبدأ الجلسة
: حسنا دكتور
حدثتني نفسي بأن عليَّ مرافقته لأول مرة إلى جلسة العلاج "بالكيماوي" اللعين الذي سرق مني بريق عينيه.. !
فقررت الذهاب رغم أني لم أتوقع أن بإمكاني احتمال رؤيته هناك..
***
طرقت الباب..
: مرحبا علي..
لا يزال نائما.. عضضت خده بانتظار بسمته..
حاول النهوض.. لاحظت ثقل حركته.. صرخت
: ما بك علي؟
أشار إلى جهاز الأكسجين فركبته سريعا.. وركضت بأقصى سرعتي نحو غرفة الطبيب..
: دكتور.. تعال بسرعة
وعدت برفقة الطبيب إلى الغرفة مسرعين..
: علي.. هل أنت على ما يرام؟
لم يتحدث..
ركبَّ الطبيب ومساعدوه الكثير من الأجهزة على جسد توأمي النحيل.. لكنه أغمض عينيه ببطء.. فصرخت باكية..
: لا أرجوك.. علي انهض أرجوك أحضرت حقيبتك السوداء وكتبك.. علي ألن تكمل الثانوية؟!
جذبت قميصه وحركته بعنف..
: علي أرجوك.. قم يا أخي
وعضضت خده بقوة.. وعدت أرجوه أن يستيقظ
: استيقظ يا علي.. أهي إحدى دعاباتك؟! .. استيقظ فليس بإمكاني البقاء وحدي.. استيقظ حبيبي.. قل شيئا كيلا أنسى صوتك
وسحبني الممرضون إلى الخارج وغطوا وجهه
***
أفقت من إغماءتي تلك فوجدتهم يحومون حولي.. سألتهم
: أين علي ؟
: ادعي له بالرحمة .. آسف يا بنتي.. تمكن منه المرض
: قاتلك الله.. وقاتل السرطان اللعين.. !
: أنت بحاجة إلى الراحة
: ابتعد عني.. خذني إلى أخي
: متأكدة؟!
: خذني إليه ولا تكثر الحديث
وأخذني إلى حيث يرقد.. مكثت بقربه دقائق طويلة أحدثه ولما أيقنت أنه لن يرد علي.. عضضت خده علِّي أوقظه..
فلم تستيقظ سوى الذكريات في نفسي ولم تستيقظ في ذهني الراحل معه سوى ابتسامته.. !
خرجت إليهم أصرخ حتى ما عدت أميز صوتي
: عضضته فلم يستيقظ ..
فأجابتني وجوههم..
: إذا لن يستيقظ .. !!!
: أنت بحاجة إلى الراحة
: ابتعد عني.. خذني إلى أخي
: متأكدة؟!
: خذني إليه ولا تكثر الحديث
وأخذني إلى حيث يرقد.. مكثت بقربه دقائق طويلة أحدثه ولما أيقنت أنه لن يرد علي.. عضضت خده علِّي أوقظه..
فلم تستيقظ سوى الذكريات في نفسي ولم تستيقظ في ذهني الراحل معه سوى ابتسامته.. !
خرجت إليهم أصرخ حتى ما عدت أميز صوتي
: عضضته فلم يستيقظ ..
فأجابتني وجوههم..
: إذا لن يستيقظ .. !!!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق